أدب

قضايا معاصرة في المسرح العربي

قضايا معاصرة في المسرح العربي

 بحث دكتور علي احمد باقر

      ان من اهم القضايا المعاصرة في المسرح العربي هي تلك القضية التي تغلب الغالبية من المثقفين العرب وهو البحث عن هوية للمسرح العربي ومن هؤلاء الباحثين سنذكر إثنان منهم وهو الباحث سعد الله ونوس والباحث يوسف ادريس ، وكلا من هما كان دأبه البحث عن المسرح العربي  .

 

      وفي غمرة البحث عن المسرح العربي نجد انهم لم ينجحوا في البحث عن المسرح العربي الذي دعوا الية والدليل على ذلك اي المسرح العربي الان واين الاتجاهات المنبثقة منه ... لا إجابة على هذه التساؤلات فكلها كانت دعوات في البداية وانتهت الى حيث انتهت الى الادراج والمكتبات ، نعم هذا ما جرى للمسرح العربي ، مع العلم بان المسرح العربي يمتلك مقومات كثير لولادة مسرح عربي خاص به خصوصا ً وأن أصول الفرجة والتمسرح موجود بالفطرة عند العرب ولكن وكما هو الحال عند كل العرب الجاهز هو الافضل لهذا سنجد بعد انتهاء هذا البحث النتيجة مرّة ،

ونحن هنا في هذا البحث نستعرض الشخصية المسرحية التي دعى لها كل من سعد الله ونوس وكذا يوسف ادريس  ولنستعرض معا ً البداية عند سعد الله ونوس .

 

      مسرحية حفلة سمر من اجل 5 حزيران ، لسعد الله ونوس والتي كتبها بين عامين 1968/1969 ، ولما كان صداها يجوب السبعينات أخذناها نموذجا لفترت السبعينات ، وقد جاء على لسن سعد الله نوس التنويه على أن هذه المسرحية غير تقليدية حيث أنها نوع جديد من المسرح . نوع يوجد به الاصاله وتوجد به الهوية العربية للمسرح العربي .ونجد هذا في القول الصريح ليسعد الله في مقدمة مقدمة مسرحية حفلة سمر من اجل 5 حزيران.

 

      (( ليس في هذه المسرحية شخصيات بالمعنى التقليدي ، فالشخصية المسرحية لا يشذ عن ذلك المخرج والكاتب ، أو عبد الرحمن  ، أو أبو فرج ، أو عزت .فهم كالآخرين أصوات ومظاهر من وضع تاريخي وعين . أن الأفراد وبذاته لا يملكون أي أبعاد خاصة وملامحهم ترتسم فقط بما يضيفونه من خطوط أو تفاصيل على صورة الوضع التاريخي العام الذي هو شكل المسرحية ومضمونها في أن واحد ))[1]

 

      نعم  هذا التصريح الذي أدلى به سعد الله ونوس يقودنا إلى أن هذه المسرحية هي هي نوع جديد من المسرح لعله هذا هو المسرح العربي ودخولا في أحداث المسرحية نجد مشاركة كل من الممثلين والمخرج والمؤلف وكذلك الجمهور ن حيث أننا في بعض الأحيان لا نستطيع أن نفرق بينهم ولا نعلم أن كان هذا من الجمهور أو من الممثلين .

 

      ((المتفرج : يموتون بالمئات ..بالآلاف ، لكن أرضهم تبقى لهم  أقوى دولة في العالم تهتز رعبا منهم .

متفرج :  ( من الصالة ) انه يتحدث عن الفيتناميين !

متفرجون : ( من الصالة . بصوت واحد ) وأين نحن من الفيتناميين

عبد الرحمن : يفعلون كل هذا دون أن يقول لهم أحد ما يفعلون ؟

أبو فرج : ودون أن يعرفوا ما يحدث ؟

عزت : ( حالما أيضا )لو زارنا رجال آخرون .أو لو أن ذلك الرجل قد عاد .

المتفرج : كل ذلك لا يبرر أن تتركوا قراكم حتى قبل أن تبدأ الحرب .

متفرج : ( من الصالة ) يسمون هذا تفلسفا .

      ( يترك مقعدة ، ويتجه نحو الخشبه . منذ الآن ، سنميز المتحدين بالأرقام المتفرج الأول ، المتفرج الثاني ، المتفرج الثالث : وهكذا )

المخرج : وأنا اسميه تجاوزا لكل لياقة أو أدب .

المتفرج 1 : من يسميه تفلسفا؟

المخرج : (يرى الثاني متجها نحو الخشبه ) والى أين أنت الآخر ؟

المتفرج 2 : أنا من يسميه كذلك .

المتفرج 1 : ولما يكون تفلسفا ؟ انهم مسؤولون كسواهم عن ما يجري لهم .

المخرج : ( ينفجر ، فيما يرتقي المتفرج الثاني خشبه المسرح )إلى أين ؟ إلى أين ؟ هل اصبح المسرح ساحة عامة ؟ هل نسيتم أين توجدون ؟ من وقاحة إلى أخرى . كل يريد أن تستفرغ مخه أمامنا .لسنا هنا معرضا للأمخاخ ، ولا معرضا للعضلات ( إلى الفرقة )ابدؤوا ( يتردد أعضاء الفرقة ، ويتبادلون نظرات حائرة ) أقول ابدؤوا . سيعجون الكلام كوال الليل أن تركناهم ( يصفق )لتعل الموسيقا ))[2]

 

بالإشارة هذه نلاحظ أن المخرج يمثل لنا القواعد والمعايير المتعارف عليها في الفن المسرحي الثابتة ، ولكن والمتفرجتين يمثلون لنا بداية صريحة للمسرح العربي كما دعى إلية سعد الله ونوس .

 

      صحيح أن المسرحية تتكون من فصل واحد ومشهد واحد إلا أن هذا التقسيم عبارة عن صفات للمسرح العربي  ، حيث انه في هذه الفترة الزمنية كان المعتاد أن تقدم المسرحيات ذات الثلاث فصول .

 

      هذا إذن التطبيق لولادة مسرح عربي ذو طابع خاص خصوصا  على مستوى تقنية الكتابة المسرحية والدخول إلى ما يحمل النص نجد انه يقدم رأي جديد على مستوى الفكرة وذلك من خلال طرح فكرة اشتراك الجمهور مع الممثلين والمخرج وطرح قضايا عديدة داخل النص للنقاش ونلاحظ كذلك وجود ما يسمى بكسر الإيهام وذلك من خلال ما قام به المؤلف من عمل إيهام ثم كسره .

 

      ((الجندي 1 : ( متفحصا بسرعة الجسد المدمي ) قتل .

الجندي 2 : خذوا ...

الجندي 4 : فليمروا على الجثث ..على الجثث فحسب .

المخرج : وتسقط شظية أخرى غادرة أخرى .

الجندي 1 : ( صارخا ) آخ ..(وينهار على حافة الخندق )

الجندي 2 : قتل .

الجندي 4 : حرب لئيمة ! لنذيقهم موتنا . لنسدد جيدا .

المخرج : وتسقط شظايا غادرة .

      (يقتل الآخران . ويتوقف إطلاق الرصاص ، وتخفت الضجة)

المخرج : أتصورهم متكئيين على أطراف خندقهم ، ساكنين كصرخات متيبسة تطلقها ارض غاضبة ، ارض تنتهك حرمتها ، ترى ..بالأضواء والموسيقا سيمكنني إبراز معاني كثيرة في مشهد حار كأنه التأريخ ..وتنتهي لوحة ( ينهض الجنود من خندقهم ، ويعودون إلى كواليس . بعد فترة يوالى المخرج حديثة ) أتصور أن تبقي ضجة الحرب ناشبة أثناء الاستراحة وان كان هناك استراحة .أتريد أن لا تنقطع انفعالات المتفرجين وان يبقى الجو متوترا حين تبدأ لوجتنا الاشمل ))[3]

 

      وفي أصول المسرح العربي الذي دعى إلية سعد الله ونوس تتجلى في البحث عن الشخصية العربية في المسرح وعدم المثول للمسرح الغربي فعندما عدى سعد الل ونوس في مسرحية حفلة سمر نجد أنه أخذ بالبحث حتى على مستوى الصراع ذلك أن الصراع في هذه المسرحية يتكون من عدة مستويات ويغلب عليها صراع رئيسي وهو أيجاد الحل للخلاص من الأزمة ، ومن المستويات الصغيرة معاناة الجنود ومعاناة عبد الله وابنه .

 

      ومن جراء هذا النقاش نجد أنفسنا أما نوع مسرحي جديد في ذلك الوقت في العالم العربي ، ربما سمية في ألمانيا المسرح إلا مرئي ؛ الذي لن تستطيع التفريق به بين الجمهور والممثلين .

 

      أما على مستوى المكان فقد شكل الفراغ المسرحي بطريقة غير تقليدية ، فلم يعايش الجمهور الأمكنة التي تم إعدادها سلفا لتوحي بمكان محدد ، بل نجد أن الجمهور والممثلون معاً يجهزون أمام بعضهم البعض المكان الذي سيقدمون به الأحداث مما يفقد المكان لطبيعته التقليدية ، ويجعلنا أمام نوع مسرحي جديد .

 

      (( يدخل عمال المسرح حاملين قطع ديكور مختلفة ويبدؤون بتركيب مشهد جديد ، فيما يتابع المخرج كلامه ))[4]

 

      هكذا كان الديكور في هذه المسرحية وهذا هو المكان ولكن بالنظر إلى مستوى الزمان نجده يتكون من مستويين :-

1. الحاضر                               2.الماضي .

 

      نلاحظ تباين الزمن الحاضر الذي يدخل به شيئا من الزمن الماضي في بداية ووسط المسرحية .

 

هنا نجد ان سعد الله نوس قد قام بتوظيف فنون الفرجة التي تمتع بها العرب وطوعها لتكون خادمة للمسرح الذي دعى الية سعد الله ونوس ولكنة من حين لآخر يفشل في ذلك ؛ ونجد هذا يتجلى في شخوص بعض المسرحيات التي كتبها وذلك وكون ان الشخصيات كلها تنم عن المؤلف وكأنها بوق خاص له ولكنّ سعد الله ونوس يقوم بذلك وتوزيع افكارة وكلماته على الشخوص كلها وهذا جعل من مسرحياته مقبول الى حد كبير .

هذا بالنسبة لسعد الله ونوس واما اذا اتجهنا ليوسف إدريس وطريقة للمسرح العربي ويتجلى ذلك في تطبيقة على مسرحية الفرافير وهذه المسرحية كتبت عام 1964، حيث كانت تعد – وقتها- شيئاً جديداً على عالم المسرح ، صحيح أن يوسف إدريس كان يبحث عن قالب مسرحي عربي ، لهذا لجأ إلى التجريب وعندما قدم يوسف إدريس هذه المسرحية نجدة يصرح بقولة :

 

      ((كان المسرح المصري عند كتابة الفرافير مسرحا      (تقليديا )في الشكل والمضمون ، معظمة مقتبس أو ممصر ولم يكن سوى نعمان عاشور والفريد فرج قد حاولا خلق أشكال يدخلان بها صميم تأريخنا الخاص وواقعنا الخاص . وجاءت الفرافير ، بالمقدمة التي أثرتُ وضعها في أول الكتاب لتثير لدى النقاد والمهتمين بالحركة المسرحية ضجة عارمة عارضني فيها معظمهم : الدكتور مندور ، الدكتور لويس عوض ، الدكتور عبد القادر القط ، الدكتور رشاد رشدي ، الأستاذ أحمد رشدي صالح ))[5]

 

      ومع هذه الأسماء التي عارضته نستشف أن المسرحية خارجة عن الأطر التقليدية السائدة في الوطن العربي ومع هذا فنحن نجد أن المسرحية قد جابت نوع جديد من المسرح العربيخصوصاً على مستوى حرفية كتابة النص المسرحي في أبعاده  . ولقد تعرض إدريس للتأصيل للمسرح العربي  رغم محاولات الهجوم التي تعرض لها .

 

(( أنت تقرأ هذه المقدمة التي كتبتها لن تحس بالاستغراب لكثير مما جاء فيها وكأنها آراء سبق لك أن قرأتها أو سمعت بها ، لكنها لم تكن كذلك عام 1964 ، كانت شيئا جديدا تماما على المسرح العربي كله وكان مجد المناداة بها عمل جرئ يستحق من الكتاب قطع    رقبته ))[6].

 

ومع هذه الكلمات والتجربة الجريئة التي أخذها يوسف إدريس أخذت هذه التجربة في الانتشار بشكل ملحوظ.

 

((سرعان ما اخذ ينتشر ويأخذ به كتاب من الغرب ومن سوريا ومن الكويت وتونس بل يأخذ به المسرح التجاري كمسرح تحية كاريوكا وأصبحت مسألة التمسرح تزاول بعادية مطلقة ))[7]

 

بهذا نكون قد علمنا أن البداية كانت عند يوسف إدريس ولكنها تحولت إلى تقنين معين ، وهذا التقنين جاء أولا على حساب الشخصيات فلقد استخدم إدريس المتفرج وبعض الشخصيات في العمل مثل المؤلف ، وكان هذا على مستوى الشخصيات.

 

((المؤلف : أنا ماشي اهه .وتأني مرة ..

فرفور :  (مقاطعا )مفيش تاني خلاص ، مفيش ، مفيش ..تبنا ..حرمنا..

المؤلف : إياك ..

فرفور: إياك أنت بس ما تنساش تبعت لنا الست .

المؤلف : اقسم ..

فرفور: ما فيش داعي .. مع السلامة.

(يخرج المؤلف )

فرفور : (مكملا حديثة )طيب يا سيد الاذى أنت ..أن ماوريتك .

السيد : ياللا يا ولة يا فرفور ما تضيعش وقت ..شيل الفأس واشتغل ))[8]

 

      وهنا نجد ان كلا من سعد الله ونوس ويوسف ادريس قد سعى كلا منهما على التأصيل للمسرح ولكن بطريقة الخاصة وإذا ما إتجنا نحو المقارنه بينهما نجد ان الاثنين قد اتجها الى البقعد كل البعد عن المسارح السائده في تلك الفترة التي كانوا يعيشون فيها الا انهم في بعض الاحيان كانت تظهر عليهم بعض من التأثيرات الغربية من امثال التأثير البرشتي أو تيارات أخرى مثل العبث ...الخ .

 

      ولكن الى حدٍ ما فالأسلوب الذي التبعه سعد الله ونوس كان عالي المضامين للبحث عن الهوية العربية وأما بالنسبة الى يوسف ادريس فقد اتجه نحو التاصيل للمسرح المصري باعدا عن المسرح العربي ويتجلى ذلك في اللغة التي استخدمها فهي لهجة مصرية وليست لغة عربية وربما هذا يقودنا نحو ان يوسف ادريس كان دائم الحديث عن المسرح المصري وكانت همومه المسرح المصري واما سعد الله ونوس فكان أكثر شمولية فلقد اتجه نحو الوطن العربي وكان همه هو البحث عن هوية للمسرح العربي حتى ولو علم بأن ذلك سيكون شاق علية .

 

      وهنا ومع انتهاء البحث نصل الى النتائج وهو ان كل ما فعله كل باحث عن المسرح العربي لم يتعدى تلك التجارب ، لينتهى بعدها الحلم بالمسرح العربي حيث اننا نجد ان هناك مقولة تقول : كيف البحث عن مسرح خاص بشعب اذا كان هذا لشعب غير متفق .

 

      ان كل ما نصبوا اليه نحن العرب هو البحث الجاد عن هوية عربية للمسرح تحمل في طياته الحب والاخاء والترابط والدعوة الجيدة ليس البحث عن أطر في غالبها اطر غربية محضة فلا ننسى ان الغرب قد سبقنا الى المسرح منذ قرون عدة ونحن لا نزال نراوح في البحث عن الاصول... كان ينبغي علينا البداية من حيث وصل المسرح الغربي وصب علية طابع عربي ذو صفة خاصة مثل المسارح الملحمية عند برشت وكذا العبث عند كامي .



[1]               سعد الله ونوس – مقدمة مسرحية حفلة سمر من اجل 5 حزيران – الأعمال الكالة –ص 23 .

[2]               المصدر السابق ص 93

[3]               المدر السابق ص 46

[4]               المصدر السابق ص48

[5]               يوسف إدريس مقدمة مسرحية الفرافير – مطبوعات مكتبة مصر 1988ص 5

[6]               المرجع السابق ص 5

[7]               المصدر السابق ص 6

[8]               المصدر السابق ص 105


رجوع