أدب

التعامل مع الاخرين لـ د. علي أحمد باقر

التعامل مع الاخرين

لـ د. علي أحمد باقر

بينما جلس الشاب على الكرسي يتناول أفكار كانت تختال جمجمته بين الفرق بين التعامل وبين الاخوة .... هناك هو يجلس على الكرسي وعلى يساره منضدة عليها صانعة قهوة ... نظر اليها نظرة تأمل.. ثم وقف واتجه اليها واخذ بصناعة قهوة له ثم عاد بخطوات بطيئة حتى لا تنسكب قطرات القهوة ... يجلس على الكرسي ويرفع فنجان القهوة ويشم رائحتها ....

الشاب: ما اطلب رائحتها سبحانه

يضع الفنجان على الطاولة التي بجانبه ويسترق النظر الى بخار القهوة ثم يقول .....

لما يرتفع بخارها

يتأمل البخار جيدا ومن ثم يحاول مسكه ... مرة ... مرتين ... يأخذ الفنجان ويرتشف رشفة من القهوة .... ويشمها ...

نعم هي تلك الأماني نراها بأعيننا ولا نتمكن من الإمساك بها ...

(يقولها متعجبا)

كيف بنا ندر الأماني وهي مجرد أحلام ... كيف بنا نحولها الى حقائق في متناول أيدينا ....

كانت بالأمس لي علاقة مع أصدقاء ....

انتهت

انتهت

انتهت

نعم هي الحياة تدور في دولاب لا يتوقف الا مع توقف علاقاتها ...

اين من كانوا هنا في ذلك الزمن السحيق ...

رحلوا ولم يخلفوا أثر او حتى مسير

كانت لهم أحلام واماني وحتى مصير

وأضحوا بلا ذكر بل عبرة للمتفكرين ...

يأخذ رشفة من القهوة ....

لماذا قطعت علاقتي بهم.. ام يكونوا أصدقاء .... (قالها متعجبا)

نعم كنت أهوي حديثهم ... بل كنت لا اشعر بالأوقات فيما انا بينهم ... لكنهم قسو علي!!!! (متعجبا)

يرفع راسه الى السقف وإذا به يتذكر حديث الامام علي عليه السلام: من كثر مزاحه استجهل.

وأيضا قال (عليه السلام): من كثر مزاحه استحمق. وايضا قال (عليه السلام): من كثر مزحه قل وقاره.

.... (يأخذ نفس) انا من جرأتهم على ...

نعم كثر مزاحي معاهم ....

كان لابد على ان أكن على مسافة بيني وبينهم فلا أكثر المزاد فيتجرأ عليّ ولا ان جافا غليظ القلب فينفضوا عني

أتذكر بينما كنا جالسين انا وهم .... (هدوء) (يسمع صوت انفاس الشاب وهو يتنفس) ... يسمع صوت ضحكات يبدأ بالارتفاع والقرب لنشاهد مجموعة من الشباب يجلسون على الأرض وهو يناولون أطراف حديث عابر وإذا بالشاب يضحك بصوت مرتفع

ها ها ها ها

أحد الجالسين: (مستهجنا ينظر اليه) ما بالك يا هذا ...

الشاب: بالي او جديد هاهاهاها

أحد الجالسين: .... (مستغربا) هل تعاني من شيء

الشاب: انعاني ام معاني .... هاهاها

أحد الجالسين: انت وقح ...

صمت يملا المكان .....

الشاب: وهل تجرا ....

أحد الجالسين: وكيف وانا اكلمك وانت تستخفف

الشاب: انت الوقح ....

أصبح الجو مشحون العداء والكراهية من بيع ما كان تسود الضحكات وانعكاسات الأضواء من اسنان الحاضرين

يقف الشاب ويقف الجميع

يتدخل أحدهم ويطلب من العموم التفرق وانتهاء الجلسة ....

نرى الشاب وهو يحتسي القهوة .....

نعم انا من جرأتهم عليّ في مزاحي السخيف ... لا بد عليّ من الصمت وهجرة الجميع ...

ولكن الحياة لن تكون حياة الا بمشاركة الاخرين حيث قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير

ما هي المعادلة الصحيحة التي اتعايش بها مع الاخرين دون انتقاص منهم ومني؟

يرفع صوته

اين الجواب؟

يأخذ فنجان القهوة ويرتشف ثم يتفكر ...

بينما كنت انا في الدراسة في ذلك الصف القديم كنت أعيش حياة الصمت مع نفسي ومع الاخرين وكنت الى حد ما لا اجري أحد بالحديث او الكلام .... كنت وحيدا .... وكذا الامر بينما كنت احقق الدرجات النهائية في الاختبارات كان الجميع يروني على أنى مصاب بداء الغرور ...

لم أكن كذلك ....

لم أكن نرجسيا بل كنت متوحدا في كتبي لأنها كانت السنة الأخير وهي التي تحدد المصير في اختيار الكلية ....

شتان بين حاليتي ....

يأخذ رشفة من القهوة.

يقف ويبدأ بالمسير الى حول الكرسي وهو يتفحص ارجاء الغرفة ...

بينما سمحت بالمزاح مع الاخرين تجرؤوا عليّ!

بينما كنت اهتم في دراسي وصموني بالغرور!

نعم

السبيل في إيجاد التوازن بين الصمت والكلام ....

صدق حبيبي رسول الله صل الله عليه واله وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت .....

المزاح ما بالحرام ولكن على قدر المزاح

والصمت ليس بالجميل طوال الوقت

الاتزان فيما بينهما

اذن يكن الحديث فيما هو إيجابي وصدق وجيد

نعم تذكرت

لقد كرهت ذلك المدعو ... أبو .... حتى لا أحب ان اجري اسمه على لساني ... فهو ذو نظرة بائسة للحياة ....

لا أتذكر أنى سمعت منه شيء إيجابي ... كان دائم التذمر .... دائم الإفصاح عن النظرات السوداء للعالم .....

كيف الحديث ....

ليكن حديثي فيما بين شفتين ينطوي على الحقائق والى النظرات الإيجابية والبناءة

نعم أتذكر أيضا ما كان من امر أولئك الطلبة الذين كانوا لا يتناهون عن إقامة علاقات ولو على سبيل الدراسة مع زميلاتنا ... نعم كنت اتعجب منهم

فحتى ان كانوا يرضونهم لعائلاتهم واهيهم فكيف تكن هناك صداقة بين شاب وفتاة ...

فلا يمكن ان تكن هناك حرية في الكلام او ما شابة دون حدوث مشكل شرعي او فجوة لدخول حبال الشيطان

نعم لا يجوز .

اذن العلاقات الاجتماعية لها ضوابط ...

يأخذ رشفة من القهوة التي شارفت على الانتهاء

أولا: لا يكون الكلام الا فيما هو مطلوب مني دونما اسهاب

ثانيا: ليكن الكلام بالنظرات الإيجابية والتي ترسم افق خصب من الامل والواقعية

ثالثا: لابتعد عن المزاح وكثرته

رابعها: ان لا تكون العلاقة بين جنسين مختلفين لان فيها حرام يقع والمحظور ومنها تسوء السمعة وهي غاية الدنيا ان يكون الانسان ذو سمعة طبية

خامسها ...... ليكن مزاحي محدود بل وليكن مزاحي مع من اشعر انهم أصدقائي

العلاقات بين البشر ترتمي بين أمور منها ...

يجلس على الكرسي ويرجع ظهره الى مسند وينظر الى السماء ويقول:

الناس على أصناف فمنهم:

1.     المعرفة وهو ذلك الانسان الذي بالكاد اعرفه

2.     الزميل وهو الذي فرض على المكان والزمان ان اشاركه في العمل او المدرسة

3.     الصديق وهو الذي أجد في الصفات الجلية ومنها كتمان السر والإخلاص دونما سبب مادي

4.     الاهل وهم اعلى المراتب الذين فيهم عزوتي واخص بهم زوجتي واولادي واخوتي

5.     الحواري وهو ما أجد نفسي معه وبالغالب هم لا يخرجون عن كونهم اولادي او زوجتي او أحد اخوتي

هي تلك المعايير اللازمة لبناء العلاقة السليمة ودوامها مع الاخرين.

 

واختتم الشاب كلماته بقول الا بذكر الله تطمئن القلوب ..... ان اكرمكم عند الله اتقاكم


رجوع