أدب

قصة قصيرة مجموعة عجوز

مجموعة عجوز

 

ليت الموت أعدمنى الحياة ... بهذه الكلمات سمعت السيدة العجوز ، تلك السيدة المتكئة على السرير حيث انا كنت متجه لعياة صديق لي بالمشفى ... فاستوقفتني تلك العبارة وأخذ حب الاستطلاع بغزو افكاري فما وجدت نفسي الا وانا ادنوا منها واسلم عليها واجاذبها الحديق فبدأت تلك العجوز بسرد قصتها بعدما انهكها الاعياء من كثرت تقليبها لصفحات ماضيها .

فهي عجوز هرمة طاعن بالسن ، محدودب ظهرها ، بالكاد يبين جلد يدها من كثر العروق والتجاعيد الكثيرة ، ولقد اختفت ابتساماتها من وجهها بعد سقوط اسنانها وفقدانها لبصرها .

جلس السيدة العجوز وكأنها مجموعة عظام مكومة في ركن من السرير وبدأت بالحديث وهي تداعب ذكرياتها وقالت مقولتها تلك ثم تأهوهت وأنت واسردت حيث قالت : دائما الموت يعقبه السكون ولكن الغريب في المر ان يأتي الموت بلا ان يعقبه سكون!!! فتعجيت من ردها وقلت كيف يكوت الموت ولا يعقبه سكون ؟

فقال ان يكون سبب موتك من أعز الناس لك وانت لا بالميت ولا بالحي فتكون الحياه سوى موت بلا سكون ....

خرجت دموع تشق طريقها وسط تلك التجاعيد ثم صدر صوت العجوز وهي تقول : لقد جردوني من حياتي وفارقوني ومالي والذنب شيء سوى علل جسدي التي ما كنت من اسبابها ...آه .. ما اسطاعوا علي صبرا في سبع ايام وانا ما اعد الليالي والسنين متى ينتهي صبري !!!! ( تأوهت ثانية ورفعت رأسها الى السماء وهي تحتضن اضلعها وردد تقول كم شكوت من البرد يا اضلعي حتى تدفئين من هم اليوم تاركوكي للنسيان ... صمت

كم كانت الايام لا تمر سوياتها الا وهي تموزق مني كل ممزق وانا انتظر متى يأتي يوم خلاصي على يد من صبرت لهم ..ولكن ...صمت

أيا دهر أف لك من خليلي ... صمت ( بدأ الاستغراب بدور في أفكار وانا اسمعوقول : ومن يكون ذلك القاسي ؟ ) بدون ان اشعر واذا بصوت قد خرج من حنجرتي وسمعته العجوز ....

          مال أولادي أوبناتي من عللي في شيء .. ان من اقدم على تركي وهجري هي روحي التي هي بين جنبيّ .. ولك يكن ولد عاق او بنت عاقة ... تتأوه بحرق وتقول : لوم مات اولادي ما شعرت بالأسى ... لو ماتت بناتي ما شعرت بالحزن ... لكن روحي واظلاعي في يد انسان ملك فؤادي بل هو فؤادي وروحي .. إذ لم أرى على ظهر الخليقة أحد غيرة بعدما تركني زوجي وأودع قبر كان سبب فرقتي منه ...صمت

          منذ ان فارقت زوجي وانا اعد للموت لكن كلما اتيت الموت من جانب هرب مني دون مواجهة ... آه يالي هذا الموت الذي هو لا يكاد يبين بل يأتي غفلت دون انذار مباغةَ فريسته كأنه سبع ضاري لا يسلم منه شيء الا افترسه ....

          مع كل هذاالادب الرفيع لم اجد نفسي الا ان انصت لها بتمعن ، ثم توجهت لي وقال: يا سآئلي ... الا تسدل لي خدمة ... تجبر بها خاطري ؟

وكأني أرى الدمع يبرق في اعينها .. فأجبتها والقلب محطم .. كلي طوع امور ... وكأن هول ما سمع سلب القصد من زيارتي للمشفى ... وكأني اصبحت ادات في يدها .. فأخذت استمع لما تقول : ارجوا ... وبكل الرجاء ارجوك ... ان تخبر ولدي باني على العهد باقية .

فقاطعتها وقلت : اي عهد يا أمت الله ...فلم تدعي فيض كلام حتى قالت : بني .. أنا امك ( استرت باكمال حديثا متجاهلة سؤالي ) وأنت ولدي ... إعلم انك افضل واسمى ما لدي من هذه الدنيا .. يا ثمرت أيامي والياليّ....تغيم الدنيا وتمطر ثم يكون بعدها هدوء العاصفة في شمسك يا فؤادي ... اعلم ان الاقدار تهوى كما تهوي القلوب ذاك قدر الفقر يهوى أناسا لا يهونه ولكن ماكانت لهم الخيرة ، وكذا قدري في الحب جعلني اهوى قلبك ولكنك  يا ... ما باليد حليه ... أصبحت أهوى قبراَ حتى لا اضيمك .. ( صمت ) إعلم بني ... [انك شمس لي لا يغطيها سحاب او شيء ... احبك كما الذكريات ... ( تشهق السيدة العجوز وتتوجع ، وأصبحت الاجهزة من حولها كل في شيء مريب فذاك جهاز ا لضغط القلب يثور ويبعث اصوات مخيفة ، وذاك جهاز الآخرة لا اعلم يصدر اصوات ... تزداد ضوضاء الاجهزة حتى دخل عليّ غزو من الاطباء والممرضات واخرجوني فأخذت استرق النظر لها من خلف الزجاج واذا بي اشاهد ذاك يضع يده على صدرها وأخرى تأتي بجهاز الكهرباء ... لم ادري ما ابي حتى اسرعت الى الاستعلامات لاستعلم عن عنوان تلك السيدة العجوز واسرعت الى ذويها لا بل ولدها لاطلعه على هول الطالع .....

وما هي الا تلك الدقائق التي فصلتني حتى وصلت الى مسكن ولدها القريب من المشفى ... ولكن ويا للأسف الولد خارج التغطية !!!!!!

فهو في عيشة أخرى ... سألتي نفسي وانا متحيراَ من هول ما رأيت .. فهو رجل في كامل العمر ، في صحة جيدة .. ومن خلال المنزل عملت انه في وضع اقتصادي جيدي ... فلم ذلك ... أخذ اصرخ في نفسي لما ذلك ...؟؟ ...

تدافعت الاسئلة من شفاتي له : أين والدتك ؟

قال : الحمد الله طيب الحال وهي في المشفى القريب منذ عام ( لعل ظن اني جار او قريب له لا يعلمه ) .. أدخلنيفي مجلسة وبين اصحابة واستكلموا سمرتهم وكل ما اردت ان اجري معه حديث على انفراد باغتني وقال بعد ان ينفض الجمع ... اطبق الصمت مخيلتي وانا ادور فيما قالت العجوز عن هوى الاقدار حتى علمت ان الجحود قد هوى ولدها حتى طفق من بين افعاله ....

انفجرت مشاعري وخرج صوت مبحوح من حنجرتي وقلت له على عجل ... اود اناجلس معك على انفراد ... فلم يرق له حتى اكثر من الاحاح ثم اجابي والجحود يملء فؤادة حتى ينصرف الجمع ... عيب ان نذهب على انفراد من الجمع موجود ... الا تعلم العيب ... ( وكأنه ينصحني !!!)

الجو العام منعني الا من الانتظار ... ويالي تلك الادقائق التي لا تمر الا وهي متثاقلة من جراء الانتظار .

ومع نهاية انفاس الظلام بدا الجمع بالمسير والتفرق ... فبدأت شفات بالكلام واخبرته عما علمت من السيدة العجوز فطأطأ الرأسه خجلا وبدأ بالمسير الى المشفى ولكن ويالي الاسف على ما جنته يداه من حجود وظلم طال الاحباء .. ... وكأني علمت انه لم يستطع الصبر على مرضها ... آه ويا ألف آه على ذاك الجهود ...

وبينما أنا في هول ما شاهدة في خضم هذه الليله عزمت ان انشر هذه القصة لتكون لنا عبرة .. لنصحح المسار وقبل ان لا ينفع الندم ...

بهذه الكلمات كانت نهاية قصتي التي سقتها من وحيالايام وما آل اليه هذا الزمان ... كلُ في شأن مستمر .. وعند هذه العبارة روادتني هذه الآية ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) ألا نتذكر قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : خيركم خيركم لأهلة وأنا خيركم لأهلي .

لنسارع في الرجوع والعدول علىالخطأ ...

 


رجوع