أدب

علم الجمال

علم الجمال

بحث : د علي احمد باقر

مدخل فلسفة الجمال أم علم الجمال أم فلسفة الفن .

ليس هناك اتفاق على تسمية هذا المبحث ففي بعض الكتب نجد علم الجمال طبقا للثلاثية التي تجعل القيم ثلاثة :

1.            الحق .... المنطق

2.            الخير ... الأخلاق

3.            الجمال ... علم الجمال

 

س / ما المقصود بالجمال ؟ هل غروب الشمس يختص به علم الجمال بما أنه جميل ؟

ج / بالطبع لا ، فالجمال في الطبيعة لا يختص به مبحث علم الجمال وإنما ما يختص به الجمال الذي يظهر في أعمال الإنسان ويظهر فيما يسمى بالفن لهذا نجد أن البعض يفضل بدلا من علم الجمال أو فلسفة الجمال تعبير فلسفة الفن .

 

س/ ولكن كيف سيدرس علم الجمال ذلك الجمال الفني ؟ هل سيدرسه من حيث طبيعة الحكم الجمالي الذي يصدره المتذوق ؟ وهذا الحكم ما هو أساسه وما هي طبيعته ؟  هل ستختص فلسفة الجمال الفني بالحكم الجمالي أم بطبيعة الفن أيضا ، أصوله وعملياته وعملية الإبداع الفني ؟

ج/ هناك إختلافات كبيرة وواسعة بين المتناولين لهذا الموضوع ليس فقط حول تسميته ولكن حول ميدانه .

والخلاصة أن هناك إختلاف على التسمية وعلى الميدان .

 

بعض مشكلات فلسفة الجمال :

1.            مشكلة التسمية والتي تثير مسألة ومضمون هذا المبحث .

2.            مشكلة الجمال الذي تتناوله فلسفة الجمال ، هل هو الجمال في الطبيعة ؟ أم الجمال عند الإنسان ؟ ( أي الجمال الذي يصنعه الإنسان ) .

الجواب : والرأي عند الأغلب هو رفض إعتبار الجمال الموجود في الطبيعة من مواضيع فلسفة الجمال ورغم هذا فإن موقف الإنبهار والإعجاب الذي يقفه المتأمل لمنظر طبيعي ذو طبيعة جمالية أي إستاطيقية وهو يشبه في طبيعته التذوق الفني لأن التذوق في الإنبهار والإعجاب وفي رؤية العين .

أ‌-           إذا هل الجمال في الفن فقط أو في الطبيعة فقط ؟

3.            هل الجمال قيمة أنطولوجية أم قيمة ذاتية ؟ بمعنى آخر : هل الجمال ذو وجود موضوعي أم أنه تعبير عن موقف ذاتي .

4.            ما هي طبيعة الذوق الجمالي ؟ هل يمكن أن يتسم بالعمومية أم هو بالضرورة فردي وبالتالي ذاتي ؟

5.            الإحساس بالجمال هل هو فطري أم يمكن إستثارته بالتربية ؟ وهل يختلف بحسب الشعوب وبالتالي فإنه في قسم منه ذو طبيعة إجتماعية ؟

فهل يتأثر الإحساس الجمالي بالحياة الإجتماعية أم لا ؟

6.            تعريف الجمال وبالتالي تعريف الجميل ، فما هو الجميل ؟

مثال / النظريات اليونانية في الإستاطيقا تميل إلى التأكيد على عنصر الإتزان والإعتدال والتناسب في الإنتاج الفني .

فالجميل عند اليوناني هو ما كان متناسب الأعضاء وهو ما يظهر في تمثال ( فينوس ) ولكن جاءت عصور فنية أخرى رأت غير ذلك ، ففي الفن الأوربي الحديث نجد من يميل إلى تشويه الجسم الإنساني ، إذا مفهوم اليونان عن تعريف الجميل مختلف عن تيارات فنية أخرى ، ومعنى هذا أن الجميل يأخذ أشكالا متعارضة .

7.            إذا كانت فلسفة الجمال ستكون في الواقع فلسفة الفن فما هو الفن ؟

هل هو مجموعة العمليات الشعورية الفعالة التي يؤثر الفنان عن طريقها في بيئته الطبيعية كي يشكلها ؟ أم هو مقدرة الإنسان على إمداد نفسه وغيره بلذه قائمة على الوهم ؟

8.            الجمال والحقيقة ... الخير مرتبط بالحقيقة فما هو وضع الجمال ؟ هل شرط الجمال أن يكون مستندا إلى الحقيقة ؟

إن الجمال الفني هو بطبيعته كذب لأنه إيهام ،  فالفن هو عملية إنتاج الفن فهو إذا نوع من أنواع الكذب ولكنه الكذب الراقي وهو نوع من الخدع المقبول بين طرفين أو من الطرفين .

9.            هل يجب على الفن من أجل أن يكون جميلا أن يخدم الحقيقة أم لا ؟

مثال / بعض الروايات ذات الطابع الجنسي الشديد هل هذا يجعلها جميلة أم أنه يقلل من جمالها ؟

نفس الأمر ينطبق على لوحة ل ( رامب برانت ) وهي تمثل ثورا مذبوحا ومعدا للبيع ، وصورة اللحم يظهر فيها الدم حتى أننا عندما نراها نشعر بالتقزز إلى درجة أننا نتحدث عن القبح الجمالي .

10.          هل يجب على الإنتاج الفني أن يخدم الأخلاق ؟

بطبيعة الحال لا بد من تعريف الأخلاق أولا ، وإذا اقتصرنا على العرف الأخلاقي فماذا سيكون الحكم على مسرحية تمثل حياة المسيح وقد عرضت في باريس ولندن ونيويورك ويظهر فيها الممثلون عراة فإلى أي حد يمكن إعتبار هذا الإنتاج جميلا بينما هو يخالف العرف الأخلاقي في المجتمع الذي يظهر فيه ؟؟

 

 

 

 

11.          من المشكلات التي تثار أيضا في فلسفة الفن ما مدى التركيز الذي ينبغي أن يعطى للعمل الفني ذاته وللفنان ؟

الإجابة في التالي :

أ‌-           الإتجاه الموضوعي : الذي يعتبر أن فلسفة الفن ينبغي أن تنصب على العمل الفني ذاته مستقلا عن من صنعه .

ب‌-       الإتجاه النفسي : الذي يرى أن فهمنا لطبيعة الفن وهي المشكلة الرئيسية في فلسفة الجمال لن يكتمل إلا بالتعرف على العمليات النفسية والعقلية التي يمر بها الفنان قبل وأثناء إنتاجه الفني وتدرس هذه المسألة الأخيرة تحت عنوان الإبداع الفني .

وإلى جانب الفنان هناك الجمهور المتذوق للعمل الفني وكثير من الدراسات في السنوات الأخيرة تؤكد على هذا البعد الإجتماعي للفن وتثير هذه المسألة مشكلة دقيقة وهي مشكلة الإلتزام في الفن وتنحصر في هل ينبغي على الفن أن يساعد بإنتاجه على التطور الإجتماعي ؟ أم أن له أن يكون حرا وألا يخضع الفنان إلا لوحي إختياراته الفنية ( الإلتزام الإجتماعي والحرية الفنية ) .

12.          إذا كانت فلسفة الجمال تؤدي بحكم إسمها بالإهتمام بالجميل فإن ميدان الفن في الواقع هو ميدان الجميل ، كما أنه ميدان الجليل . ( الجلال هو ما يحقق الرهبة بجانب الجمال ) هناك إذا في عالم الفن قيمة الجمال وقيمة الجلال .

13.          تتعلق بطبيعة التذوق الفني وهل هو قابل للتقنين أي أن توضع له قوانين وهنا تثار مشكلة الموضوعية والذاتية في التذوق الفني .

والسؤال هو : هل المجتمع الذي يعتبر السمنة من علامات الجمال ، يمكن له أن يتذوق لوحات فنية أشخاصها من ذوي النحافة ؟

إذا كانت الإجابة بـ لا ، فالتذوق إذا نسبي

14.          طبيعة الحكم الجمالي : ما هي طبيعة هذا الحكم ؟ هل يتسم بالموضوعية ؟ وما الفرق بينه وبين الحكم الأخلاقي ؟

15.          مشكلة تصنيفات الفنون وتحديد ما يدخل أو لا يدخل في ميدان الفن ؟

16.          تدور حول مكان الفن من الحضارة بصفة عامة ، هل هو جزء من الحضارة أم أنه زينة يمكم الاستغناء عنها ؟ أو بمعنى آخر ما هي الوظيفة الإجتماعية للفن ؟

17.          مشكلة الأسس اللاعقلية للفن ، فقد أثارت دراسات التحليل النفسي موجة جديدة من الشك حول الطبيعة الواعية للفن ، حيث بينت تلك الدراسات أن الكثير من أشكال الإعداد الفني بل والإنتاج تتم أحيانا خارج الوعي وتثير مشكلة صلة التحليل النفسي بالفن مسألة أهمية خبرات الطفولة كصلة الطفل بأمه ، ويقصد بتعبير اللاعقلية هنا ما لا يمكن وصفه في صياغة برهانية .

 

حول تسميات علم الجمال  :

                                                                اختلفت تسميات هذا المبحث في اللغة العربية ما بين فلسفة الجمال وعلم الجمال وأحيانا فلسفة الفن واسمه في اللغات الأوربية استاطيقا ، وتعني في اليونانية المأخوذ عنها الإحساس ، وقد بدأ ظهور هذا الإسم في اللغات الأوربية منذ وقت قريب نسبيا في منتصف القرن الثامن عشر على التقريب ولم يبدأ في الانتشار والاستعمال إلا منذ عصر ( كانت Cant ) والإحساس الذي أخذ منه هذا الاصطلاح لا يعني فقط اليونانية الحس بالمعنى المعروف وإنما هو يعني الوجدان أي الإحساس العاطفي .

ما يؤخذ على تعبير علم الجمال :

1.              قد يؤدي تعبير علم الجمال إلى الظن بأنه يشبه ما اصطلح تسمية بالعلوم أي العلوم الرياضية والطبيعية أو يحاول على الأقل التشبه بها باستخدام مناهجها وهذا غير صحيح لأنه ليس هناك إتفاق حول موضوعات أو مناهج هذا العلم المزعوم هذا من ناحية .

2.            ومن ناحية أخرى هذا التعبير قد يؤدي إلى الظن بأن نتائج هذا العلم تتسم بالموضوعية والعمومية وهو ما يميز العلوم الطبيعية بينما الأمر ليس كذلك .

تعبير فلسفة الجمال :

                                                                هذا التعبير بدوره قد يؤدي إلى الظن بأن موضوعنا هو الجمال في شتى صوره بينما الموضوع الأساسي هو الجمال لذا فمن الأفضل استخدام تعبير فلسفة الفن من حيث أن الفن نشاط إنساني يهدف إلى إنتاج الجمال وقبل أن نقترح تصريفا لهذا المبحث نشير إلى بعض التعريفات :

1.            يراد به فلسفة الوجدان لأنه يعرض لدارس الذوق الجمالي سيكولوجيا وتاريخيا واجتماعياً .

2.            هو علم الجميل وفلسفة الفنون الجميلة .

3.            وتعرف بعض القواميس الاستاطيقا بأنه هو العلم الذي يعالج الجمال بصفة عامة والإحساس الذي يولده في نفوسنا .

4.            أما قاموس ( لالنتLALANT  ) فيقول أنه هو العلم الذي موضوعه الأحكام التقيمية أو أحكام القيمة باعتبار أنها تنصب على التمييز بين الجميل والقبيح .

5.            ويقال عن الإستاطيقا أنها :

أ‌-           نظرية أو عامة باعتبار أنها تحدد الخاصية أو مجموع الخصائص المشتركة التي تلتقي في كل الموضوعات التي تثير فينا الإحساس الإستاطيقي أو الجمالي .

ب‌-       أنها تطبيقية أو خاصة من حيث أنها تدرس أشكال الفن المختلفة .

 

 

التعريف المقترح :

                                                فلسفة الجمال هي ذلك المبحث الفلسفي الذي موضوعه طبيعة الفن من جهة ، وطبيعة الأحكام التي تطلق على الأعمال الفنية بالجمال أو القبح من جهة أخرى .

إذا هناك الفن وهناك الأحكام ويقوم بها المتذوق ، والفلسفة الجمالية تدرس طبيعة العلاقة بين الفنان و الإنتاج الفني والتذوق .

 

ويلاحظ أن تعبير طبيعة الفن يقصد به جوهر الفن كما أن كلمة فلسفي تشير إلى أنه يجب أن يتوفر في هذا المبحث خصائص الفلسفة وأهمها عنصر التأصيل أي الرجوع إلى أصول ومبادئ .

 

ومن أهم هذه الأصول والمبادئ فيما يتعلق بالجمال مبادئ العزة والألم ، وهناك من يقولون أن الجميل هو ما يعطيك لذة كما يتوفر في هذا المبحث عنصر التبرير العقلي ، ففيلسوف الجمال يتناول الأصول والمبادئ العامة للجميل والقبيح ويبرر ذلك تبريرا عقليا وفي النهاية لا بد من الإشارة إلى بعض التمييزات الهامة :

1.            يرى البعض أن هدف فلسفة الجمال هو تحديد المعايير التي إذا توافرت في عمل فني أصبح جميلا ، وهذا هو التيار المعياري .

ولكن هناك من يشير إلى أن وظيفة الإستاطيقا هي التحليل بمعنى أن النتائج الإستاطيقية التي يصل إليها الفيلسوف هي نتائج التيارات الفنية الموجودة في عصره وقد انعكست في ذهن الفيلسوف إذ أنه لا ينبغي أن يمنح نفسه حق توجيه الفنان بأن يملي عليه شروط الجمال : لماذا ؟ ( لأن الفن إحساس عند الفنان ) لأن الجمال إحساس .

2.            يجب أن نميز ما بين فلسفة الجمال من جهة والنقد الفني وتاريخ الفن من جهة أخرى فموضوع فلسفة الفن هو : ( 1 ) طبيعة الفن ( 2 ) طبيعة الأحكام الجمالية .

أما موضوع النقد الفني فهو تحليل الأعمال الفنية ودراستها وتوصيفها وإيضاح خصائصها أما تاريخ الفن فهو مجرد تسجيل لتطور الفنون .

 

الجمال بين الذاتية و الموضوعية :

أ‌-           الجمال الذاتي :  اعتبر أنصار المذهب الذاتي للجمال أنه يشكل ظاهرة نفسية أو خبرة ذاتية وأن الحكم الجمالي لا يعبر عن صفة الشيء الجميل وإنما يعبر في الواقع عن حالة الإنسان النفسية ويعتقدون أن الجمال الوحيد لا يوجد إلا فينا وبنا ومن أجلنا ، فالأشياء ليست جملية أو قبيحة في ذاتها ، نحن الذين نضفي عليها صفة الجمال .

ويرى بعض المفكرين أن الحكم الجمالي مرتبط بعدة عوامل وعناصر متفاعلة ، فهناك الفنان وما يتميز به في حياته الخاصة من مشاعر وعواطف وهناك كذلك تكوينه التربوي والاجتماعي والنفسي والثقافي والاقتصادي وكذلك عمله الفني والظروف المختلفة التي أسهمت في ظهوره ، وكل هذه العوامل تلعب دورا هاما في طريقة نظرته للأشياء في الطبيعة والمجتمع والحياة .

مثال / شجرة المشمش : يرى فيها الفنان قيمة جمالية من خلال علاقة لون ثمرة المشمش البرتقالية بلون الورق الأخضر ، وإذا تأملنا هذه الشجرة في الظهيرة نجدها تختلف من حيث الألوان عما كانت عليه في الفجر وكذلك بعد العصر نجد أن ألوانها تتغير بتغير درجة الضوء عليها ، وكذلك كل هذه الرؤى لا يمكن للإنسان العادي أن يحس بها بل بالعكس يفكر مباشرة بقطف المشمش ليأكله فالإنسان العادي ينظر إلى الأشياء ومنها عناصر الطبيعة حسب مهمتها الوظيفية .

ب‌-       الجمال الموضوعي : يقول أنصار الاتجاه الموضوعي أن الجمال قائم بذاته وموجود خارج النفس الشاعرة بوجود فهو ظاهرة موضوعية لها وجودها الخارجي وكيانها المستقل مما يؤكد تحرر مفهوم الجمال من التأثير بالمزاج الشخصي فالطبيعة في حد ذاتها جميلة سواء كنا سعداء أو غير سعداء وكذلك سواء كنا شعراء أو فنانين أما إذا لم يحس بها الإنسان لأنه في حالة مزاجية سيئة فهذا لا يعني أبدا أن الجمال الموجود بالطبيعة لم يعد يراه أحد .

إن للجمال صفات مستقلة عن العقل الذي يدركها وهي تضفي على الأشياء والطبيعة قيمتها الجمالية وتسهم في تذوق الناس لها وإعجابهم بها .

             إذا الجميل يعد جميلا إذا توافرت صفات معينة سواء وجد من يتذوق أو هذا الجمال أو لم يوجد وجمال الكائن أو الأثر الفني يرجع إلى الصفات المتوفرة فيه .

 

 

أسس موضوعية للجمال :

    ربما لا يستمتع الحزين بجمال الطبيعة وربما لا يستمتع المريض بجمال المرأة لأن مثل هذه الحالات تؤثر على النفس تأثيرا مباشرا فتعطل الإحساس وتؤجل تأثر المشاعر بمثل هذه القيم الجمالية المتوفرة سواء في الحياة أو المجتمع أو الطبيعة .

                وقد درس الإغريق هذه الظاهرة ومنهم من يرى أن للجمال أسس موضوعية وأن جوهر الجمال يكمن في البناء المنتظم وفي التناسب وإنسجام الأجزاء والنسب الرياضية الصحيحة .

                ويرى أرسطو أن أهم صفات الجميل الآتي :

                الترتيب – التناسب – الوضوح – الغائية ( غاية معينة ) – الوحدة – التنوع – التغيير .

 تعاون الذاتي - الموضوعي :

                                يرى شارل لالو : أن المسألة الحقيقية ليست البحث في الفصل بين هذين الإتجاهين بل في تعاونهما .

إن جمال الأنغام المنسجمة مع بعضها أو قبح الألحان المتنافرة يعتمد جزئيا علنيا وعلى اهتزاز الشخص ، ولكننا بالنتيجة نصبح تابعين لها حيث أنها هي التي هزت مشاعرنا وأثرت على احساسنا عندما تكون هذه الموسيقى منسجمه ورائعه ولها مواصفات التأليف الموسيقى المبدع مثل أعمال بيتهوفن و فيردي و تشايكوفسكي وغيرهم ، فعلم الجمال هنا ذاتي من حيث مشاعر الفنان وإحساسه وخبراته واسلوبه وطابعه الشخصي وقدرته الابداعية ، وموضوعي من حيث وجود الجمال والحياة والمجتمع والطبيعة قبل وجودنا نحن .

             إذا علم الجمال علم موضوعي وذاتي بآن واحد وفقا للمنطق الذي عرضنا له .

 

موقف جمالي في إطار نظرية " الدوائر الثلاث " .

هل النقد ضرورة فنية ؟

مدخل :

الإشكال الجدلي : تبين لنا من دراستنا ان عناصر التجربة الفنية الثلاثه هي :

             الفنان

             العمل الفني

             المتذوق

وهي لا يمكن في مجملها أن تقل عن هذه العناصر الضرورية وإذا كان الأمر كذلك فإن الناقد ليس عنصرا من عناصر التجربة الفنية وفقا للمنطق الذي أشرنا إليه ولكن الناقد قائم قياما فعليا حيث أن هناك نقاد يتكلمون ويكتبون فما الحل إذا بينما هو منطقي وهو أن الناقد ليس عنصرا من عناصر التجربة الفنية الثلاثة وما هو عملي وهو أن الناقد موجود بالفعل ولا يكتفي أحيانا بالحديث عن الفن بل يدعي في بعض اللحظات الولاية على الفن وعلى الفنان ؟

هل للنقد ضرورة فنية ؟

ويلاحظ أن هذا التساؤل ينظر إلى عمل الناقد في إطار التجربة الفنية ككل وليس في إطار الأدب فقط .

 

الإطار العام للموقف :

الإطار العام للموقف الذي نعرضه هو مانسميه بنظرية ( الدوائر الثلاث ) ومقولتها الإساسية أن ( التجربة الفنية ) ثلاثية الأبعاد بالضرورة وكل اقتراب منها دون الوعي بعناصرها الثلاثة معا يؤدي إلى تشويه في الفهم وقصور في الحكم .

ودائرة الوسط هي العمل الفني الذي يقوم بدور الوساطة بين الفنان وبين المتذوق ولكنه بعد ذلك مستقل عن الأول فور أن ينتجه ومستقل عن شخص الثاني والحق أن العمل الفني هو مركز التجربة الفنية لأنه هدف الأول و موضوع نشاط الثاني .

وإذا نظرت إلى التجربة الفنية من زاوية الفنان وجدته ينتج ما ينتج ( الدائرة الثانية ) ليتجه بها بالضرورة إلى متذوق ( فعلي أو متخيل ) وهذه هي الدائرة الثالثة وتظهر ضرورة الدوائر الثلاث معا إذا نظرت أخيرا إلى الامر من زاوية المتذوق فلا بد له من مادة يتذوقها ( الدائرة الثانية ) وهذه بدورها تتطلب |أن يكون هناك منتج أنتجها .

 

( الدائرة الأولى )

             التجربة الفنية هي في جوهرها نوع من التواصل يتجه إما من  الفنان إلى المتذوق وإما من المتذوق إلى الفنان والوسيط الضروري دائما هو العمل الفني الذي يصبح هكذا أهم حلقات تلك الدوائر الثلاث

 

وتجتمع الدوائر الثلاث معا في التعريف الذي نقترحه للفن وهو أنه نشاط واع قصدي يهدف إلى إنتاج أشكال جميلة تنتج متعه جمالية عند متذوقيها .

أما تعبير التجربة الفنية فهو يدل على العلاقة مزدوجة الاتجاه :

إما من الفنان إلى المتلقي عبر العمل الفني

وإما إلى المتلقي إلى الفنان عبر العمل الفني

ومرة أخرى نلاحظ أن الناقد طرف لا وجود له داخل هذا الإطار فكيف نفسر وجوده العملي ؟

 

الناقد :

إن الناقد يختفي وراء المتذوق من نوع خاص فهو متذوق من نوع خاص ، فهو يمثل " المتذوق " حين يتجه إلى " العمل الفني " من أجل تفهمه أي " تذوقه " إلى أعلى درجه ممكنه فوظيفته الأساسية إذن هي شرح العمل الفني وتحليله وتفسيره خدمة لغرض " المتذوق " وعلى هذا فإن " الناقد " ينبغي أن يكون سلم يصعد عليه " المتذوق " .

ملحوظة :

                انتبه إلى المنطق الذي يحكم به صاحب هذا الرأي على عمل الناقد ووظيفته ثم ناقشه مناقشة موضوعية بعيده عن " التحيز " أو الإنفعال .

يقول :                إن الناقد ينبغي أن يكون سلم يصعد عليه " المتذوق " لكي يلقيه جانبا فور أن يصل إلى علاقة وثيقة مع " العمل الفني " فهو وسيط مؤقت .

ويترتب على ذلك هذه النتائج الخطيرة على النحو التالي :

             إن الناقد ليس موجها للمتذوق بل هو معاون له وحسب والمتذوق هو الشخصية الرئيسية والناقد إلى جواره عنصر ثانوي وخاصة إذا توفرت " للمتذوق " درجة الكفاءة التي تلزم للقاء المباشر مع العمل الفني دون الحاجة إلى وسيط مؤقت .

             وليس الناقد بصاحب حق في الولاية على العمل الفني لأنه مجرد شارح ومفسر له ، أما إذا تعدى الشرح والتفسير إلى مرحلة الحكم  فهنا ينقلب على الفور إلى مجرد متذوق يعلن رأيه الفردي بينما نشاط الشرح والتفسير يعلو بعض الشيء على المستوى الذاتي ، ففيه يكون الناقد أقرب إلى الملاحظ الموضوعي منه إلى موقف الإختيار الذي هو جوهر الحكم الجمالي .

             إن الناقد ليس بصاحب حق في الولاية على الفنان ، فما دام ممثلا للمتذوق فإن عليه أن يصب إهتمامه ليس على الفنان بل على العمل الفني ، كما أن عليه إما أن يقبل أو أن يرفض الفنان وليس له في أي حال أن يحاول توجيه الفنان لأن المتذوق ليس له هذا الحق .

إذا هذا الرأ ي يرفض تصور الآتي :

 

1.            ان الناقد يمثل الفن لأن في هذه النظرة تعظيم لمكانة الناقد وإعلاء له فوق المتذوق والعمل الفني والفنان جميعا

 

2.            أن الفنان هو الذي يمثل الفن وليس الناقد الذي لا يستطيع أن يظن نفسه مجسدا لقواعد ومعايير تعبر عن جوهر الفن ، فالذي يعبر عن جوهر الفن هو الفنان.

 

3.            والناقد لا يمكن أن يمثل الفنان لأنه ليس فنان أي ليس منتجا للعمل الفني ولا يمكنه أن يمثل العمل الفني لأنه العمل الفني هو موضوع النقد ( بمعنى الشرح والتفسير فقط ) وهو موضوع الحكم الجمالي الذي يصدره الناقد من حيث هو متذوق .

 

4.            الناقد لا يمثل المتذوق بمعنى أنه وصي عليه وهذا هو أشيع ألوان سوء الفهم اوظيفة الناقد بعد زعم أنه ممثل للفن فهو يمثل المتذوق فقط بمعنى أنه يقوم على معاونته وهناك فرق بين المعاونه والتوجيه .

 

5.            يؤكد هذا الرأي أن الناقد ليس في خدمة العمل الفني لأن العمل الفني قائم ومستقل عن الفنان وعن المتذوق وعن الناقد جميعا جميعا وهو يستطيع أن يجد متذوق قبل نقد الناقد وبعده ، وبدون حاجة إلى النقد .

 

مثال :

إن تمثال نهضة مصر لمحمود مختار أو قصيدة للبياتي أو غناء لأم كلثوم لا يحتاج بالضرورة لنقد الناقد لكي يؤثر كل منها في المتذوق رغم أنه من المحتمل أن تزداد حدة المتعة الجمالية إن عاون الناقد المتذوق .

 

6.            يخلص من كل ذلك السؤال المقارنه بين الناقد والمتذوق بقوله :

أن الناقد يبدأ في لقائه مع العمل الفني بأن يتخذ موقف المتذوق ولكنه سرعان ما يهجر هذا الموقف وهو موقف كلي تركيبي وموقف تعاطفي وجداني إلى موقف النقد وهو موقف تجزيئي تحليلي متحفظ ومعرفي .

إن موقف الناقد إلى حد ما كموقف الطبيب إزاء عيون جميلة فهو يبدأ بإدراكها كليا ولكنه سرعان ما ينظر في أجزاء حتى لا توشك الأجزاء أن تلهيه عن الكل  .

 

إذا فالناقد إذا لم يكن عنصرا ضروريا من عناصر التجربة الفنية إلا أن فعل النقد قائم ولو حدثت وإنعدم النقاد من الدنيا لظهر على الفور نقاد آخرون لأن المتذوق ناقد كامن ولأن وظيفة النقد جوهرية ليس من أجل تقدم الفنان أو من أجل العمل الفني بل من أجل إثراء فعل التذوق ، ولكن الخطأ الكبير – فيما يظن صاحب الرأي – أن يرى من يرى أن الناقد يأتي قبل المتذوق لأن المتذوق هو الأساس و الناقد متذوق من النوع المختلف الذي ينبغي أن يكون هدفه هو إثراء تجربة " المتذوقين العاديين " وهذا الكلام لا يقلل من أهمية ونشاط الناقد ولا ينزع عن النظريات النقدية قدرتها على توجيه الإنتاج الفني بصفة عامة أحيانا وتأثيرها في الإتجاهات الأدبية على نحو أخص ( وإن كان المعتاد هو ظهور الناقد العظيم في أعقاب عصر إنتاج فني عظيم وليس العكس ) لأن الفنان قبل أن يدخل في إطار النشاط الفني يكون حين إذن سلطان لا سلطان عليه ، هو قارئ أو مستمع أو متأثر في إتجاهات العصر من حيث الحساسية والرغبة في المشاركة الجمعية .

 

ومن هنا فقط يأخذ كمثقف وانسان برأي " نظرية نقدية " فيما ينبغي أن يكون عليه " الحس الفني " ولكن إذا كان للناقد في مثل هذا الموقف تأثير فإنه قد يكون سابقا زمنيا على نشاط الفنان ولكنه لا يمكن أن يعد سابقا منطقيا على ذلك النشاط لأن " الفعل الفني " فعل مستقل وهو " معيار ذاته"  في نهاية الأمر .

 

 

 

 

 


رجوع