حوار العقل

علاقة الصداقة بالأخلاق

  بحث  عن علاقة الصداقة بالأخلاق

الصداقة تغذي الأخلاق:

إن الحديث عن الأخلاق لا ينفصل عن الحديث عن الصداقة، إذ أن للصداقة الأثر الكبير في الاستقامة أو الانحراف فالصديق إن كان مستقيماً استقام صديقه وإن كان منحرفاً انحرف، فهو يتأثر ويتكهرب به لاشعورياً، وبالتالي فإن الصداقة تغذي الإنسان بالأخلاق سلباً أو إيجاباً فهي سلاح ذو حدين.

وبالتالي فمسألة الصداقة والصحبة ليست مسألة عادية وهامشية في حياة الإنسان بل هي قضية خطيرة ومهمة جداً ومصيرية في الوقت ذاته لارتباطها بسلوك الإنسان ونحن نجد أن عنوان الأخوة والصداقة قد احتل مساحة كبيرة في النصوص الإسلامية وذلك اعتناءً بها، لذلك كان من اللازم علينا التعرض لهذه المسألة من خلال عناوينها المناسبة، لما نحن بصدده من التكلم عن الأخلاق والسلوك نحو الفضائل ولكن قبل الخوض فيما يتعلق بمسألة الصداقة أرى من المناسب عرض قضية مهمة لها صلة بهذا الموضوع وهي قضية العزلة والاختلاط  ـ  والتي تعرض لها علماء الأخلاق في مصنفاتهم  ـ  لنرى من خلال ذلك ما طرح حولهما من آراء

 فنقول: إن البعض يتساءل عن الحاجة للصداقة والمعاشرة، فما هو الداعي أساساً لمخالطة الآخرين؟ وما هي الثمرة المكتسبة من وراء ذلك؟ إذ أن الأفضل الإنزواء والعزلة عنهم وعدم معاشرتهم!!

نعم هكذا اعتقد جماعة وبنو على أن سلامة الأخلاق تتوقف على ذلك.

محاسن العزلة:

لقد أيدت المجموعة المتقدمة إعتقادها هذا بما يلي:

أولاً: الابتعاد عن الانحرافات:

إن الكثير من الانحرافات متوقفة على التعامل مع الآخرين كالحسد والتكبر والغيبة والرياء والظلم وغيرها، أما العزلة فلا تؤدي إلى هذه الأمور.

ثانياً: القرب من الله:

العزلة سبب للقرب من الله تعالى أكثر وذلك عن طريق التفرغ للعبادة.

 ثالثا: التفكر:

إن التفكر والتأمل في أسرار الكون يحتاج إلى صفاء الذهن ولا يكون ذلك إلا بالعزلة.

رابعاً: الموافقة للقرآن والسنة:

فقد وردت آيات تشير إلى اعتزال فئة من المؤمنين كأصحاب الكهف مثلاً الذين اعتزلوا الناس ولجأوا إلى الكهف فصار ذلك سببا لشمول الرحمة لهم، يقول تعالى {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقا} [1]، كما وردت من السنة المطهرة أخبار في هذا الشأن أيضاً كقول أمير المؤمنين (ع): (لا سلامة لمن أكثر مخالطة الناس، الوحدة راحة والعزلة عباده) [2]، وقول الإمام الصادق(ع): (صاحب العزلة متحصن بحصن الله ومحترس بحراسته فيا طوبى لمن تفرد به سراً وعلانيـة) [3]، إلى غير ذلك من النصوص.

وقد يتأثر البعض بهذا القول فيؤثر العزلة والانزواء عن الآخرين ويختار الوحدة والانفراد، بينما يجب علينا أن لا نتسرع في الحكم.

مساوئ العزلة:

إذا كانت المجموعة الآنفة الذكر قد أيدت العزلة لما لها من محاسن وذمت الاختلاط، فقد خالفتها مجموعة أخرى إذ أيدت الاختلاط لما له من منافع وذمت العزلة لما لها من مساوئ وأضرار:

أولاً: الانحراف الفكري:

فكم إنسان إعتزل الناس لفترة طويلة ثم خرج إليهم بأفكار خاطئة واعتقادات فاسدة وبثها بين الناس معتقداً أنها سليمة، بينما لو كان متعاملاً مع الآخرين لأنكشف له فساد تفكيره.

ثانياً: الجهل:

إذ أن كثيراً من المعارف لا سبيل للحصول عليها إلا عن طريق معاشرة العلماء والعارفين والاستفادة من تجاربهم.

ثالثاً: هدر الطاقات:

فما اكثر الفضلاء والعلماء الذين انزووا بين جدران أربعة ولم يعيشوا مع الآخرين لكي يستفاد من أفكارهم وعلومهم ولا استطاعوا هم تحقيق أي تقدم أو نجاح مرموق في المجتمع، وهكذا نفس الكلام ينطبق على كل ذي خبرة يستفيد منها الآخرون فيبخل بها بسبب الركون للعزلة.

رابعاً: الأمراض النفسية:

حيث أن العزلة تؤدي إلى الضجر والقلق النفسي نتيجة عن عدم مفاكهة الناس وملاطفتهم، وفي الأخير تؤدي إلى التوتـر العصبي والمرض النفسي.

خامساً: الحرمان من اكتساب الكثير من الفضائل وعدم القدرة على تطبيقها إطلاقا:

إذ أن كثيراً من الأخلاقيات لا تعد فضيلة في العزلة أبداً كالتواضع وحب الآخرين والعطف والكرم والحلم وكظم الغيظ وأمثالها، فالمفضل للاعتزال عن الآخرين لمن يتواضع؟ وكيف يكون كريما او حليما؟ وكيف يعطف على الناس ويترجم محبته لهم؟!

هذا مضافاً إلى أنا نجد أن الابتعاد عن بعض الرذائل عن طريق العزلة لا يعد فخراً لأنها منتفية بانتفاء الموضوع كما يقال، مثل الكذب والغيبة والتكبر وأشباهها، إذ كيف يوصف بأنه غير متكبر على الآخرين وهو في عزلته؟ وكيف يوصف بأنه لا يغتاب وهو منطو على نفسه؟ وكيف يعرف بأنه صبور على الأذى وهو منـزو عن الآخرين؟ بل الدين هو المعاملة وكيف يتعامل من اعتزل.

سادساً: الحرمان من الثواب الجزيل:

حيث أن الإسلام حث على بعض العبادات بصورة جماعية كالحج وصلاة الجماعة وحضور الأعياد ومجالس الذكر ومجالس سيد الشهداء (ع).. إلى غير ذلك، فكيف يحضر هذه العبادات وهو في عزلته؟

التحقيق في المسألة:

ما تقدم هو كل ما استعرضه الطرفان وأورداه من أدلة على مختار يهما، إلاّ أن المسألة تحتاج إلى شيء من التأمل، فإن ما انتهى إليه الطرفان إنما كان نتيجة خلط بين نحوين من العزلة ونحوين من الاختلاط وعدم التمييز بين الصالح منهما وغيره ولكن الذي يقتضيه الحق هو التفصيل في العزلة والاختلاط بين نحوين كما يلي:

العزلة على نحوين:

النحو الأول من العزلة هو الانقطاع التام عن المجتمع حتى فيما يحتاجون إليه من معاشرة.

والنحو الثاني منها هو ما يتصل بالأمور الخاصة كالنظر في شئون نفسه ومعاشه وعياله والقيام بأموره العبادية وغيرها وهذه الأمور تكون فيما فضل عن وقت المعاشرة وأداء الحقوق الاجتماعية من صلة الأرحام وعيادة المرضى وتشييع الجنائز وحضور مناسبات أهل البيت (ع).. إلى غير ذلك.

والنحو الأول مذموم وتحمل عليه الأخبار الناهية عن العزلة، والنحو الثاني ممدوح وتحمل عليه الأخبار الآمرة بالعزلة.

الاختلاط على نحوين:

النحو الأول من الاختلاط هو المعاشرة المطلقة بحيث يكون الفرد في تمام أوقاته متنقلاً من مكان إلى مكان ومن منزل إلى آخر وفي جلسات محادثة ومفاكهة وبلا قيود.

والنحو الثاني منه هو المعاشرة المحدودة والتي يرتضيها العقل ويحث عليها الشرع المقدّس كصلة الأرحام وقضاء حقوق الإخوان وعيادة المرضى وحضور الجنائز والسعي في قضاء حوائج المؤمنين وحضور حلقات العلم ومجالس الذكر لأهل البيت (ع) والمناسبات الإسلامية والجمعة والجماعة وأمثالها.

والنحو الأول مذموم وتحمل عليه الأخبار الناهية عن الاختلاط لما له من مفاسد وأضرار، والنحو الثاني ممدوح ويقتضيه واجب المعاشرة وتحمل عليه الأخبار الآمرة بالاختلاط، كقول الرسول (ص): (المؤمن يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) [4].

ويقول لرجل أراد الجبل ليتعبد فيه: (لصبر أحدكم ساعة على ما يكـره في بعض مواطن الإسلام خير من عبادته خالياً أربعين سنة) [5].

 

 

نظرة القادة للمسألة:

ولأن الأئمة (ع) هم القدوة فقد اتبعوا الصواب في الموازنة بين العزلة والاختلاط وهذه سيرتهم قد أثبتت بأنهم لم يتقوقعوا في منازلهم ولم يتخذوا صوامع للاعتزال عن الناس بل لم يغيبوا عن الساحة للإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إنهم مدحوا هذا النوع من الاختلاط كما عن رسول الله (ص) أنه قال: (خياركم أحسنكم أخلاقا الذين يألفون ويؤلفون) [6]، ويقول الإمام الباقر(ع) حينما سمع رجلاً يقول: اللهم أغنني عن خلقك، قال: (ليس هكذا إنما الناس بالناس ولكن قل اللهم أغنني عن شرار خلقك) [7]، وفي الوقت ذاته نراهم (ع) يقضون قسما من أوقاتهم في العزلة الممدوحة، يقول الرسول (ص): (الوحدة خير من جليس السوء) [8] وهذا إشارة إلى ذم الاختلاط السيئ، ويبرر الإمام الصادق (ع) عزلته حينا من الزمان بقوله: (فسد الزمان وتغير الأخوان فرأيت الانفراد أسكن للفـؤاد) [9]، ويمدح (ع) صاحب العزلة ولكنه يذكر لها شروطا لكي تكون من القسم الممدوح فيقول: (صاحب العزلة متحصن بحصن الله ومحترس بحراسته فيا طوبى لمن تفرد به سراً وعلانية وهو يحتاج إلى عشرة خصال: علم الحق والباطل وتحبب الفقر واختيار الشدة والزهد واغتنام الخلوة والنظر في العواقب ورؤية التقصير في العبادة مع بذل المجهود وترك العجب وكثرة الذكر بلا غفلة..) [10].

وأخيراً نقول: إن الفرد يستطيع العزلة أثناء اختلاطه بالناس، بمعنى أنه يعاشرهم بقالبه لا بقلبه وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق (ع) بقوله: (طوبى لعبد نومه [11] عرف الناس فصاحبهم ببدنه ولم يصاحبهم في أعمالهم بقلبه فعرفهم في الظاهر ولم يعرفوه في الباطن) 12].

الأصدقاء صنفان:

بعد أن قطعنا مشواراً مع قضية العزلة والاختلاط وبيّنا مقصود الأخبار الشريفة الواردة في المدح أو الذم لهما، نرى من اللاّزم العودة إلى الموضوع الأساسي في هذا البحث وهو الصداقة، ونريد هنا أن نرسم الخطوط العريضة لأصناف الأصدقاء الذين نعاشرهم.

والأصدقاء صنفان كما يقول أمير المؤمنين (ع) حين سأله رجل: عن الأخوان؟ فقال (ع): (الأخوان صنفان، إخوان الثقة وإخوان المكاشرة [13]، فأما إخوان الثقة: فهم الكف والجناح والأهل والمال فإذا كنت من أخيك على حد الثقة فابذل له مالك وبدنك وصاف من صافاه وعاد من عاداه وأكتم سره وعيبه وأظهر منه الحسن، واعلم أيها السائل أنهم أقل من الكبريت الأحمر، أما إخوان المكاشرة: فإنك تصيب لذتك منهم فلا تقط عن ذلك منهم ولا تطلبن ما وراء ذلك عن ضميرهم وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان) [14].

فمن خلال هذا النص نفهم أن المعاشرة قد تكون خاصة وهي التي عبر عنها أمير المؤمنين (ع) بإخوان الثقة الذين يتصفون بصفات سنتعرض لبعضها لاحقاً.

وقد تكون المعاشرة عامة وهي التي عبر عنها الإمام (ع) بإخوان المكاشرة وهم الذين لا تربطك بهم الثقة الكاملة وإنما هم للمزاح والمعاملة العامة فباستطاعتك الجلوس معهم والتحدث إليهم والسفر برفقتهم والاستفادة من أفكارهم وتجاربهم وهم كذلك يستفيدون من أفكارك وتجاربك لكن لا تلقي إليهم بأسرارك الخاصة ولا تطلب منهم أكثر من هذا المقدار من المعاملة، وبهذا يتبدد ذلك الوهم القائل بأن الصداقة لا يمكن ان تتحقق إلا بصورتها المطلقة وبلا قيود.

من نصادق؟

للصداقة أثر بارز في حياة الإنسان وسلوكه وأخلاقه فهو مرآته التي ينظر بها وبه يعرف وكما قيل:  

فكل قرين بالمقارن يقتدي


عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه




ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى


إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم

 






ويقول الرسول الأكرم (ص): (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) [15].

ولسنا هنا بصدد التحدث عن جميع الصفات التي يجب توفرها في الصديق لكن ما يعنينا هنا هو التأكيد على ضرورة مصادقة الأخيار وذوي الفضائل والتقوى والسلوك القويم والسبب في ذلك أن صفاته ستنعكس لا إرادياً على الطرف الآخر فيتأثر به فيسلك مسلكه وهذه هي الغاية من الصداقة التي أكد عليها الإسلام، ولو كان كل منهما مستقيماً ذا سلوك قويم من أول الأمر ففائدة الصداقة هنا تأتي في المحافظة والإبقاء على هذه الاستقامة والسلوك إلى أمد أطول وتترسخ بصورة أكثر. يقول الرسول (ص): (عاشر أهل الفضل تسعد وتنبل) [16].

وفي الحديث الشريف: (لا تجلسوا إلا عند من يدعوكم من خمس إلى خمس، من الشك إلى اليقين، ومن الكبر إلى التواضع، ومن العداوة إلى المحبة، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة في الدنيا وأمورها إلى الزهد) [17]، وفي حديث آخر: (اصحب من إذا صحبته زانك..) [18].

وهذا بخلاف مصادقة الفجار والأشرار وذوي الرذائل والأخلاق السيئة والسلوك المنحرف فإنهم سيتركون بصمات تلك الصفات على الطرف الآخر، يقول أمير المؤمنين(ع): (إياك ومصاحبة الفساق فإن الشر بالشر ملحق) [19] ويقول الإمام الصادق (ع): (لا تصحب الفاجر فيعلمك من فجوره) [20]، ويقول (ع): (..واحذر صحابة من يفيل رأيه وينكر عمله فإنّ الصاحب معتبر بصاحبه) [21].

ويقول الإمام الجواد (ع): (إياك ومصاحبة الشرير فإنه كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح أثره) [22]، وفي هذا النص بالذات تحذير لمن يصادق شخصاً من أجل منظره وصورته الجميلة أو من أجل ثروته ولكنه كالحية لين مسها مميت سمها.

ولذلك فالاختبار للشخص قبل مصادقته أمر ضروري، يقول أمير المؤمنين (ع): (لا يعرف الناس إلا بالإختبار) [23]، ويقول (ع): (من إتخذ أخاً من غير إختبار ألجأه الاضطرار إلى مرافقة الأشرار) [24].

وقد رسم الإسلام الخارطة التي يعرف بها الفرد الصديق المخلص من غيره، ولأننا التزمنا الإختصار فسوف نكتفي بهذا المقدار ولعلّنا نعود إليه في الموضع المناسب.

اتبع من يبكيك:

تميل النفس في كثير من الأحيان إلى الشخص الذي يثني عليها ويمدحها ويجاملها حتى فيما لو أخطأت وقصرت وارتكبت الرذائل، وتنفر ممن يسدي إليها النصيحة ويذكرها بعيوبها ولهذا السبب ستبقى هذه النفس على خطأها وتقصيرها ولن يبدل رذائلها إلى فضائل أبداً بل سيتفاقم الأمـر ويزداد سوءاً.

فمن أجل أن نتعرف على عيوبنا وأخطاءنا لا بد أن نختار الصديق الذي يكون كالمرآة لنا فيذكرنا عيوبنا ويوقفنا على أخطاءنا وسلبياتنا من أجل إصلاحها، وعلينا أن نعود أنفسنا على تقبل هذا الأمر واتباع هذا الصديق والأنس به وعدم عصيانه والتضايق منه، فإن الصديق المخلص هو الذي يذكرنا الأخطاء لا من يداهننا ويجاملنا، يقول الإمام الصادق (ع): (أحب إخواني إليّ من أهدى إلىّ عيوبي) [25]، ويقول الإمام الباقر (ع): (اتبع من يبكيك وهو لك ناصح ولا تتبع من يضحكك وهو لك غاش) [26].

ولا نتوهم أن من ينبهنا على الأخطاء هو العدو لنا وأنه سيتكلم وراءنا بل على العكس فإن الشخص الذي يتملق أمامنا ويمدحنا هو الذي يتوقع منه ذلك، يقول أمير المؤمنين (ع): (من كاشف في عيبك حفظك في غيبك، من داهنك في عيبك عابك في غيبك)[ 27].

وأصحاب السلوك قديما وحديثا يتخذون الأصدقاء من أجل هذه المهمة وهي التذكير بالعيوب للتخلص منها، وليس من أجل الوقوف في الشدائد فحسب، وبطبيعة الحال لا يعني إسداء النصح للصديـق هو التشهير به أمام الملأ واستعمال الأساليب الجافة وإنما بالحكمة والموعظة الحسنة، يقول أمير المؤمنين (ع): (النصح بين الملأ تقريع) [28]، ويقول الإمام العسكري (ع): (من وعظ أخاه سرا زانه ومن وعظه علانيته فقد شانه) [29] وهذا بحده موضوع آخر لعلنا نتطرق له في الموضع المناسب.

والخلاصة: مما تقدم عرفنا أهمية الصداقة والصديق والأهم من ذلك اختيار الصديق المرآة من أجل أن يكون خير معين لاكتساب الفضائل وترك الرذائل، وإذا توفر هذا النوع من الأصدقاء فإنه أعظم مكسب من مكاسب الحياة، بل من ظفر بهم فقد فاز بخير الدارين كما يقول الإمام الصادق (ع): (قد قل ثلاثة أشياء في كل زمان: الاخاء في الله والزوجة الصالحة الأليفة في دين الله، والولد الرشيد، ومن أصاب أحد الثلاثة فقد أصاب خير الدارين والحظ الأوفر في الدنيا) [30]، ولعل هذا ما نفهمه أيضا من قول الرسول (ص): (ما استفاد مسلم فائدة بعد فائدة الإسلام مثل أخ يستفيده في الله) [31].

وقوله (ص): (من استفاد أخا في الله عز وجل استفاد بيتا في الجنه) [32].

ولنقرأ ختاماً هذا النص عن أمير المؤمنين (ع) إذ يقول: (الناس أخوان فمن كانت مودته في غير ذات الله فهي عداوة) [33] وذلك قوله عز وجل: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [34].

للقراءة والتأمل

كان للإمام الصادق عليه السلام صديق لا يكاد يفارقه إذا ذهب مكاناً، فبينما هو يمشي معه في سوق الحذاءين ومعه غلام له سندي يمشي خلفهما إذ التفت الرجل يريد غلامه ثلاث مرات فلم يره، فلما نظر في الرابعة قال: يا ابن الفاعلة أين كنت؟ قال: فرفع أبو عبد الله الصادق عليه السلام يده فصك بها جبهة نفسه، ثم قال: سبحان الله تقذف أمه؟ قد كنت أرى أن لك ورعاً فإذا ليس لك ورع؟ فقال: جعلت فداك إن أمه سندية مشركة، فقال: أما علمت أن لكل أمة نكاحاً، تنح عني، قال الراوي: فما رأيته يمشي معه حتى فرق الموت بينهما.

الخاتمة

وأسأله تعالى أن يعيننا على أنفسنا ويجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه وأن يشملنا بألطافه وأن يديم علينا بركات الوجود المقدّس لإمام العصر أرواحنا فداه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


رجوع